العلاقات الروسية الإيرانية تحالف بأبعاد جيوسياسية واقتصادية كبرى

  • 11 تموز 18:31
  • 14

قناة الإباء / متابعة

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إحدى تصريحاته عن العلاقة بين بلاده وإيران : إننا نعتبركم حليفاً موثوقاً به ويعوّل عليه في المنطقة والعالم... وعلي النقيض من البعض، نحن ملتزمون بألا نطعن شركائنا من الخلف، وألا نقْدم علي أي إجراء خلف الكواليس ضد أصدقائنا، وإن كانت لدينا خلافات فيمكن أن نتوصل إلى تفاهم من خلال الحوار".

نعم لقد شهدت العلاقات الروسية الإيرانية تطوراً ملحوظاً خلال السنوات القليلة الماضية، حتى عده المحللون تحالفاً استراتيجياً بين الدولتين الهامتين على مستوى المنطقة والعالم، فهما أي طهران وموسكو كانا ضمن حلف واحد لمحاربة الإرهاب التكفيري في سورية، وقد ساهما أيضاً في تخليص العراق من داعش الإرهابي الذي كان يسيطر على مساحات واسعة من أراضيها "تأسيس غرفة عمليات مشتركة في بغداد تضم ممثلين إضافة لموسكو وطهران ممثلين عن دمشق وبغداد".

نهاية تشرين الثاني 2015، حل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضيفاً كبيراً على طهران، الغاية كان حضور افتتاح قمة الدول المصدرة للغاز المنعقدة في إيران. ولكن الهدف كما تكشف لاحقاً هو بناء تحالف استراتيجي بين موسكو وطهران في ظل الأوضاع المتسارعة التي تعيشها المنطقة، بوتين وفور نزوله إلى أرض مطار طهران اتجه مباشرة للقاء سماحة الامام السيد علي خامنئي قائد الثورة الإسلامية، حيث جرى خلال اللقاء ووفق المصادر المتابعة حينها صياغة اتفاق بين البلدين يقضي بنقل العلاقة الثنائية إلى المستوى الاستراتيجي.

الرئيس بوتين كان واضحاً في توصيف الحالة الإيرانية الروسية وقالها صراحة: "كنّا نعتبر علاقتنا تكتيكية، ونعرف أن في إيران من يعتبر أننا يمكن أن نبيعكم للغرب. إن روسيا لن تتخلى عن حليفتها الإستراتيجية إيران"، على ما نقل مسؤول إيراني رفيع المستوى.

وجرى التفاهم بين القائدين على توجيه جميع الوزارات في البلدين لترجمة هذا التفاهم الاستراتيجي في كل تفاصيل العلاقات الثنائية. ظهر ذلك سريعاً في الاتفاقات أو التفاهمات التي وقعت خلال الزيارة في مجالات التبادل العلمي والتكنولوجي، وفي الميدان النووي "الاتفاق مع موسكو على بناء 12 مفاعلاً في إيران"، وفي الميدان التجاري "قرار بوتين فتح خط تمويل بقيمة 5 مليارات دولار، قابل للرفع إلى عشرة مليارات، لتغطية التبادلات التجارية، فيما تعهدت طهران بفتح الباب واسعاً أمام مشاركة روسيا في الصناعة النفطية في الجمهورية الإسلامية". هذا طبعاً في ظل تعهد بوتين بتصدير كل ما تريده إيران من أسلحة، كمّاً ونوعاً، على ما أفادت مصادر عسكرية إيرانية واسعة الإطلاع.

في المقابل، أعرب الامام الخامنئي عن تقديره وتثمينه للسياسة الروسية في مقاومة الغرب في أوكرانيا. كذلك أعرب لبوتين عن "قناعته بأن موقف موسكو في سوريا عزز موقع روسيا في النظام الدولي، وفي موقع بوتين وسمعته على المستوى العالمي.

في حين كان السؤال الذي وجهه الشيخ حسن روحاني إلى ضيفه: "هل نستطيع أن نتوافق سيادة الرئيس على تعريف الإرهابي؟»" هو الأكثر تعبيراً عن عمق العلاقة بين البلدين، حيث رد بوتين "هذا أمر سهل جداً سيادة الرئيس. كل من هو ضدنا إرهابي، وكل من هو معنا ليس إرهابياً".

ومع كل المحاولات التي تسعى بعض القوى الغربية والمحسوبة عليها في المنطقة للتشويش على العلاقة الروسية الإيرانية، إلا ان القواسم التي تجمع بين الطرفين تؤكد متانة العلاقة واستراتيجيتها، ولاسيما فيما يخص موضوع الطاقة "الغاز - النفط" حيث يسعى الجانبان إلى إعادة إحياء "أوبك الغاز"، وتنسيق سياسات الطاقة بشكل كامل لتقوية جبهتهم، تنسيق سارعت الجمهورية الإسلامية إلى ترجمته بوقف إمداداتها لأوروبا بالغاز كي لا تضر روسيا.

فإيران هي أقصر طريق لروسيا للوصول إلى البحار الدافئة، التي سعى لها الروس منذ غابر الأزمان. ويحتل التعاون في حقل الغاز والنفط حيّزاً مهماً من العلاقات الروسية ــ الإيرانية. فقد قامت شركة "غاز بروم" الروسية في عام 2006 في إطار كونسورتيوم دولي بتطوير المرحلتين الثانية والثالثة في حقل "بارس" الجنوبي الإيراني، وبلغ حجم استثمارات "غاز بروم" في هذا الحقل نحو 750 مليون دولار.

ووفقاً للإحصائيات التي أجرتها شركة النفط البريطانية "بريتش بتروليوم" فإن لدى إيران إمكانات كبيرة لتصبح واحدة من أكبر منتجي الغاز في العالم، نظراً لاحتياطاتها من الغاز الطبيعي التي تصل إلى 34 تريليون متر مكعب، وهو ما يمثل حوالي 18 بالمائة من الاحتياطي العالمي وأعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني، أن إيران بعد رفع العقوبات، تخطط لتصدير الغاز إلى أوروبا وآسيا، أمام كل ذلك فالمصالح الاستراتيجية بين الطرفين أكبر بكثير من أن تتأثر أو تتوقف.

يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين، وسطياً ما يقارب 1.68 مليار دولار، لكن طهران وموسكو اتفقتا على مشاريع بقيمة أربعين مليار دولار، وكانت طهران قد طرحت على روسيا مؤخرا مشاريع بقيمة 25 مليار دولار تتعلق بالشحن والإعمار والإسكان ومد السكك الحديدية، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا".

العلاقات الاقتصادية الإيرانية الروسية بدأت بالتطور بشكل ملحوظ منذ خمس سنوات تقريبا، وكان التقارب السياسي لعب الدور الأساس، فحجم المشاريع المشتركة بين طهران وموسكو يبلغ في الوقت الحالي ما يعادل 40 مليار دولار تقريبا، وهو أمر جيد حسب تقديره، ويشير إلى نيتهما للمضي في علاقات أكثر تطورا مستقبلا.

وروسيا معنية بالاستثمار في قطاعات كبرى، فضلا عن الطاقة، فإن روسيا متخصصة في بناء مفاعلات إيران النووية، كما أنها تعمل حاليا على استكمال مشروع مفاعل "رامين" للكهرباء الواقع في الأهواز جنوبي البلاد. وفي ذات الوقت، من المتوقع أن يزيد التعاون في مجال الصناعات الجوية، بالمقابل إيران ستعمل على تأمين احتياجات السوق الروسية، خاصة فيما يتعلق بالصادرات الغذائية.


شهدت تطورا كبيرا قبل انهيار الاتحاد السوفييتي خلال عامي 1989 و1991، تم توقيع عدة اتفاقيات ولعل أبرزها آنذاك اتفاق وقع في 5 تشرين الثاني 1989 تسلمت إيران وفقه اثنين من منظومة الصواريخ المضادة للطائرات المعقدة طويلة المدى S-200VE، و20 مقاتلة ميغ 29، و12 طائرة سوخوي "سو-24MK"، وأنظمة دفاع جوي ودبابات وذخيرة وغيرها من المعدات.

وبموجب الاتفاقية نفسها تلقت إيران في الفترة بين عامي 1992- 1996، ثلاث غواصات تعمل بالديزل والكهرباء، وفي عام 1994، تسلمت إيران 12 طائرة مروحية من طراز "Mi-1، وفي عام 1998، تلقت إيران خمس طائرات هليكوبتر من طراز"Mi-171".

وفي نوفمبر 2000، أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستئناف تنفيذ الاتفاقات الحكومية الدولية، وإجراء محادثات مع إيران بشأن إمكانية تزويدها بإمدادات عسكرية جديدة، وفي أكتوبر عام 2001، خلال زيارة وزير الدفاع الإيراني علي شمخاني لموسكو، وقع الوفد الإيراني اتفاق حكومي دولي بشأن التعاون العسكري التقني.

وبموجب هذا العقد، زودت روسيا إيران بمروحيات النقل العسكري متعددة الأغراض من طراز Mi-171 وMi-171SH. وفي 2003-2006 حصلت القوات الجوية الإيرانية على ست مقاتلات "سو 25". أيضا في عام 2005، تلقت إيران ثلاث مروحيات "مي17".

وفي كانون الأول 2005، وقعت روسيا اتفاقاً مع إيران لتوريد 29 منظومة دفاع جوي "تور-M1"، لحماية المنشآت العسكرية، خاصة محطة الطاقة النووية في بوشهر في طهران وأصفهان ونطنز، وقد تم تنفيذ العقد في كانون الثاني عام 2007، وتقدر تكاليفه الإجمالية بمبلغ 1.4 مليار دولار.

وحسب إحصاءات الفترة من 2000 إلى 2007، احتلت إيران مرتبة ثالث أكبر مستورد للأسلحة الروسية بعد الصين والهند، وتعتمد طهران حوالي 85٪ من إجمالي ترسانة الجيش الإيراني على الأسلحة الروسية.

وفي 20 كانون الثاني 2015، خلال الزيارة الأولى منذ 15 عاما لوزير دفاع روسي، وقع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو اتفاقاً للتعاون العسكري مع طهران.

وفي الرابع من كانون الأول عام 2015 نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن مساعد للرئيس فلاديمير بوتين قوله إن روسيا بدأت تسليم نظام الدفاع الجوي إس-300 لإيران. ونقلت الوكالة عن فلاديمير كوجين قوله يجري تنفيذ العقد. بدأ (تسليم نظام إس- 300 ".

ولأن روسيا تدرك أن إيران دولة محورية في المنطقة والعالم فقد حمل الرئيس بوتين إلى سماحة قائد الثورة الإسلامية هدية ثمينة وضعها في صندوق أخضر تاريخي.

هدية لم تكن عادية تلك التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لسماحة الامام السيد علي الخامنئي، فهي النسخة طبق الأصل عن القرآن العثماني، ينسب إلى الخليفة الإسلامي الراشد الثالث، عثمان بن عفان، ويحمل آثاراً من دمائه على حد قول أحد أهم الباحثين العالميين في النسخ القرآنية القديمة، وهي نسخة تعود في التاريخ إلى زمن الإسلام الأول.

أخيراً:

العلاقات الروسية الإيرانية تمر اليوم بمرحلة جديدة في ظل الأوضاع الدولية المتشظية بفعل السياسات الأمريكية والغربية في العالم، والتي كان أبرزها الانسحاب الأحادي للرئيس ترامب من الاتفاق النووي مع إيران من جانب واحد، والعقوبات الواسعة والشاملة على روسيا، أي ما يقرب البلدين ويجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما، وكما دحرا الإرهاب في سورية والعراق، فإن طهران وموسكو سيرسمان صورة جديدة للشرق الأوسط والعالم عنوانها الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول.

m.k


التعليقات